النووي
32
المجموع
إلى صناعة طائفة متخصصة ، كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك ، فلولي الامر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم ، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك . والمقصود أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرضا معينا عليه ، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم ، صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم ، يجبرهم ولى الامر عليها بعوض لمثل ، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل ، ولا يمكن الناس من ظلهم بأن يعطوهم دون حقهم ، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم . وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها ، ألز ؟ الجند بأن لا يظلموا الفلاح . كما يلزم الفلاح بأن يفلح . ولو اعتمد الجند والامراء مع الفلاحين ما شرعه الله ورسوله وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون ، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض ، وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان ، ولكن يأبى جهلهم وظلمهم الا أن يرتكبوا الظلم والاثم ، فيمنعوا البركة وسعة الرزق ، فيجتمع لهم عقوبة الآخرة ونزع البركة في الدنيا ( فإن قيل ) وما الذي شرعه الله ورسوله ، وفعله الصحابة ، حتى يفعله من وفقه الله ؟ قيل المزارعة العادلة التي يكون فيها المقطع والفلاح على حد سواء من العدل لا يختص أحدهما عن الآخر بشئ من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان ( 1 ) وهي التي خربت البلاد ، وأفسدت العباد ، ومنعت الغيث وأزالت البركات ، وعرضت أكثر الجند والامراء لاكل الحرام . وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به .
--> ( 1 ) يصف الفقيه ابن القيم حال البلاد الشامية والمصرية على عهد أمراء المماليك حين يسخرون الفلاحين في خدمة الأرض ويستغل المقطعون أو ذووا الاقطاعات جهود الفلاحين أسوأ استغلال ، تمتص الأرض عرقهم ، ويأكلون هم وطبقتهم ثمرات هذا العرق ، حتى ألهم الله ابن القيم أن يلهب ظهورهم بسوط الشرع كما ألهبوا ظهور الفلاحين بسياط الجيروت ، فمرحى لابن القيم مرحى ؟ " المطيعي "